ابراهيم بن عمر البقاعي
725
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقا لهم ثابتا فهو يريهم وخيم أثره ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّهُ حَكِيمٌ أي لا يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها عَلِيمٌ * أي بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أيّ وجه يفعل ، وعلى أيّ كيفية يكون أتم وأكمل ، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة ، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلّا ظالم جاهل . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 140 إلى 141 ] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 141 ) ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم ، وأشار إلى معانيها ، جمعها - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم فقال : قَدْ خَسِرَ وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : الَّذِينَ قَتَلُوا قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير والباقون بالتخفيف أَوْلادَهُمْ سَفَهاً أي خفة إلى الفعل المذموم وطيشا ، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزا . ولما كان السفه منافيا لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر ، قال مصرحا بما أفهمه : بِغَيْرِ عِلْمٍ أي وأما من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافرا أو قاتلا أو محصنا زانيا - فليس حكمه كذلك ؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه ، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال : وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم ، من تلك الأنعام والغلات ، بغير شرع ولا نفع بوجه افْتِراءً أي تعمدا للكذب عَلَى اللَّهِ أي الذي له جميع العظمة . ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات : النفس بقتل الأولاد ، والمال بتحريم ما رزقهم اللّه ، فأفادهم ذلك خسارة الدين ، كانت نتيجته قوله : قَدْ ضَلُّوا أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا ؛ ولما كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له ، وتكون الهداية وصفا أصيلا فيه ، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله : وَما كانُوا أي في شيء من هذا من خلق من الأخلاق مُهْتَدِينَ *